محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

398

الإنجاد في أبواب الجهاد

فضل الله يؤتيه من يشاء » ( 1 ) . فكان للعمل مزية وحظٌّ لا يُدرك بمجرد النيّة . وأيضاً : فإن الله - تعالى - أضاف الغنيمة إلى من غنمها ، وملَّكها لهم بذلك دون من سواهم ، فكان الحق في ذلك لمن عمل فغنم ، دون من اعْتُرِضَ فلم يتصف بذلك ، فنقول - والله تعالى الموفق بمنّه - : الخارجون في الجيش على أربعة أحوال : - رجل نوى الغزو ، وعمل في مشاهد الحرب ، إما في أضعفها رتبة كملازمة الجيش ، وتكثير السواد ، وإما فوق ذلك إلى أعلاها رتبة : وهو مباشرة القتال ، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه يُسهم له ؛ للأدلة التي قدَّمنا ، ويدخل في ذلك المريض إذا حضر القتال ، وإن لم يُقاتل . - ورجلٌ لم ينو الغزو ، ولا عمل في شيءٍ من مشاهده ، كالتاجر والأجير يشتغلان بالكسب والاحتراف فقط ، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه لا حقَّ له . - ورجلٌ لم ينو في خروجه غزواً ، فلما حضر القتال قاتل ، أو شهد من مواطن الحرب المخصوصة ، بعملٍ من أعمال الجهاد على حسب ما فصَّلنا ما يكون له فيه عمل مع المجاهدين ، فالظاهر أن لهذا سهمه ، وإن كان في ذلك خلافٌ تقدم ذكره في ( فصل : التاجر والأجير ) ؛ لأنه لما حضر القتال فعمل فيه ؛

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في « صحيحه » في كتاب المساجد ( باب استحباب الذكر بعد الصلاة ، وبيان صفته ) ( رقم 595 ) من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، فقال : « وما ذاك ؟ » . قالوا : يُصلُّون كما نصلِّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويُعْتِقون ولا نُعْتِق ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ؟ ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم » ؟ ! قالوا : بلى ، يا رسول الله ! قال : « تسبحون وتكبرون وتحمدون ، دبر كل صلاة ؛ ثلاثاً وثلاثين مرة » . قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ، ففعلوا مثله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » .